من يحدد قيمة السلعة قبل أن يبدأ الحراج؟
عبدالمحسن محمد الحارثي
هل آن الأوان أن نعيد النظر في الطريقة التقليدية التي تُباع بها بعض السلع في أسواقنا؟
لا أحد يعترض على الحراج بوصفه وسيلة للبيع، ولا على حق البائع في عرض سلعته، أو المشتري في المزايدة عليها؛ فالمنافسة جزء أصيل من حركة السوق. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: من يحدد قيمة السلعة قبل أن تبدأ المزايدة؟
فالمحرّج يقف، والحاضرون يشاهدون، والأيدي ترتفع، وكل مزايد يرفع السعر على الآخر.
لكن من أين بدأ السعر؟ وهل يعكس قيمة حقيقية للسلعة، أم أن البداية نفسها كانت مرتفعة؟
يقول الاقتصادي النمساوي فريدريش هايك: “المنافسة هي أفضل وسيلة لاكتشاف السعر”وهي عبارة تبدو منطقية في ظاهرها، غير أن المنافسة لا تكون عادلة إلا إذا بدأت من أرضية واضحة؛ فحين تكون نقطة البداية مجهولة، أو قابلة للتأثير ؛ قد لا تكشف المنافسة عن القيمة، بل تصنع سعرًا جديدًا.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين السعر والقيمة..وكما يقول المستثمر الأمريكي وارن بافيت: “السعر هو ما تدفعه، والقيمة هي ما تحصل عليه”.
فهل ما يدفعه المشتري في بعض الحراجات يعكس فعلًا قيمة ما يحصل عليه، أم أن المزايدة قد رفعت السعر بعيدًا عن القيمة الحقيقية؟
لا يعني ذلك اتهام أحد، ولا الجزم بوجود تدليس؛ غير أن أي نظام يعتمد على الثقة وحدها، دون معايير واضحة للشفافية ؛ يظل قابلًا للالتباس. فربما يكون بين الحاضرين من يزايد، ولا نعلم هل هو مشترٍ حقيقي، أم أن وراء مزايدته مصلحة لا نراها.
والمشهد لا يقتصر على السيارات والمواشي، بل يمتد إلى الفواكه والخضار والعسل وغيرها من المنتجات التي تدخل الحراج، فتخرج أحيانًا بأرقام تثير التساؤل.
كرتون من الرمان، من صنف ممتاز، قد يصل إلى ألف ريال، رغم أن عدد حباته قد لا يتجاوز عدد أصابع اليدين.
والتين البلدي «الحماط»؛ كرتون صغير لا يتجاوز وزنه كيلوغرامًا، وقد يصل إلى ثلاثمائة ريال.
والتين الشوكي؛ قد يبلغ سعر الكرتون مئتين وخمسين ريالًا.
أما بعض أصناف العنب البلدي ؛ فقد يصل سعر الكرتون إلى ثمانمائة وخمسين ريالًا، رغم أن وزنه لا يتجاوز ثلاثة كيلوغرامات.
هنا لا يكون السؤال: هل يحق للمشتري أن يزايد؟ فهذا حقه. بل السؤال الأهم:
هل ندفع ثمن المنتج، أم ثمن المزايدة عليه؟!!
لقد شاهدت بأم عيني تفاوتًا كبيرًا في أسعار السلعة الواحدة؛ تفاوتًا يجعل المرء يتساءل: كيف يمكن لمنتج واحد أن يحمل هذا الفارق بين سعر وآخر؟ وهل مردّ ذلك إلى اختلاف حقيقي في الجودة والقيمة، أم إلى لحظة الحراج وعدد الحاضرين وحماس المزايدين؟
ولذلك ؛ فإن الحل ليس بالضرورة في إلغاء الحراج، وإنما في إعادة تنظيمه.
لماذا لا تكون هناك لجنة خبراء مستقلة ومتخصصة، كلٌّ في مجاله؟ خبراء للسيارات، وأهل اختصاص في المواشي، ومختصون في المنتجات الزراعية والعسل وسائر السلع التي تحتاج إلى معرفة دقيقة بقيمتها.
تقوم اللجنة بتقييم السلعة قبل عرضها، وفق معايير واضحة تشمل الجودة، والنوع، والكمية، والمصدر، والندرة، والحالة، والموسم، ثم تُمنح قيمة تقديرية معلنة، أو بطاقة توضح مواصفاتها وقيمتها الاسترشادية.
بعد ذلك يأتي دور المحرّج في إدارة المزايدة، لا في صناعة قيمة السلعة من نقطة مجهولة.
فالتسعير شيء، والمزايدة شيء آخر.
ولا يعني التقييم أن السعر لا يمكن أن يرتفع؛ فقد تكون السلعة نادرة، أو استثنائية، أو ذات قيمة خاصة لدى أحد المشترين. لكن الارتفاع ينبغي أن يكون مفهومًا ومبررًا، لا رقمًا يصنعه الحماس وحده.
كما أن وجود سقف منطقي للمزايدة قد يكون ضرورة؛ فالمزاد ليس شيكًا على بياض، والمنافسة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لإنتاج أسعار خيالية لا تعكس قيمة المنتج.
فالمزاد ينبغي أن يرفع قيمة السلعة، لا أن يصنع لها قيمة جديدة.
ولسنا ضد الحراج، ولا ضد المنافسة، ولا ضد أن يدفع المشتري أكثر إذا رأى أن السلعة تستحق.
لكننا بحاجة إلى سوق أكثر وضوحًا؛ يعرف فيها البائع قيمة ما يبيع، ويعرف المشتري قيمة ما يشتري، ولا يصبح المستهلك الطرف الذي يدفع ثمن لعبة لا يعرف قواعدها.
فما كان يصلح في أسواق محدودة ؛ قد يحتاج اليوم إلى مراجعة في ظل اتساع الأسواق، وكثرة المتعاملين، وتداخل المصالح، وارتفاع قيمة بعض المنتجات.
فمن يحدد قيمة السلعة قبل أن يبدأ الحراج؟
الإجابة التي نحتاجها ليست: محرّجًا واحدًا.
بل لجنة خبراء تضع التقييم، ومحرّج يدير المزايدة، وسوقٌ يعرف الجميع فيه قيمة السلعة قبل أن تبدأ الأيدي في رفع سعرها.
فالسوق الناضجة لا تلغي المنافسة، لكنها تجعلها أكثر شفافية؛ ولا تمنع ارتفاع السعر، لكنها تريد أن تعرف: هل ارتفع لأن السلعة تستحق، أم لأن المزايدة استطاعت أن ترفعها؟

