ما الذي سيبقى حين نغيب؟
عبدالمحسن الحارثي
في اللغة كلماتٌ لا تقف عند معناها؛ بل تفتح وراءها أبواباً من المعنى.
ومن هذه الكلمات: أثر، وآثار، وتأثير، وإيثار، وإثراء، وثراء.
تتجاور في الحروف، وتتباعد في الدلالات، ثم تلتقي جميعاً عند سؤال واحد:
ماذا يترك الإنسان بعده؟
ليس كل ما يمر يذهب.
فالقدم إذا مرّت على التراب تركت أثراً؛ والإنسان إذا مرّ في الحياة ترك أثراً آخر الأول تراه العين، والثاني تراه الأيام.
فالأثر ليس فقط ما تطؤه القدم؛ بل كل ما يبقى بعد العبور: علامةً على الرمل، أو فكرةً في العقل، أو كلمةً في القلب، أو موقفاً في الذاكرة.
قال الأثر:
أنا ما يبقى بعد الغياب.
فقالت الآثار:
ونحن ذاكرة ما مضى؛ أقدامٌ غابت، وأعمالٌ بقيت، وأناسٌ رحلوا، لكنهم تركوا في المكان أو الإنسان شيئاً منهم.
قال المؤثِّر:
أنا الذي أبدأ الأثر؛ كلمة أقولها، أو موقف أقفه، أو فكرة أزرعها.
فقال المؤثَّر به:
وأنا الذي يستقبل الأثر. لكنني لا أبقى مستقبلاً إلى الأبد؛ فقد أحمل ما تركته فيّ، ثم أتركه في غيري.
وهكذا لا يموت الأثر؛ إنه ينتقل.
فكل مؤثِّر كان يوماً مؤثَّراً به، وكل مؤثَّر به قد يصبح مؤثِّراً، وكل أثر صالح يجد طريقه إلى أثر آخر.
ثم قال يُؤْثِرون:
نحن لا نترك أثراً في غيرنا فحسب؛ بل نقدّم غيرنا على أنفسنا، ونمنحه ما قد نحتاجه نحن:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾.
فالإيثار أن تترك شيئاً في يدك، لتترك شيئاً في قلب غيرك.
وقال يُؤَثِّرون:
ونحن نغيّر ما حولنا؛ بكلمة ترفع، أو موقف يفتح طريقاً، أو فكرة تغيّر حياة.
فقال الأثر:
أنتم تصنعونني؟
قال المؤثِّر:
نحن نبدأك.
وقال المؤثَّر به:
ونحن نحملك.
فقال الأثر:
ومن يحملني بعدكم؟
قالا:
من تركتَ فيه شيئاً.
وهنا تكمن المفارقة:
ليس كل مؤثِّر صاحب أثر؛ فقد يؤثّر فيك ولا يبقى منه شيء.
وليس كل أثر تأثيراً؛ فقد يبقى الشيء دون أن يغيّر شيئاً.
أما الأثر العظيم، فهو الذي يجمع البقاء والتغيير.
ثم مرّت إثراء، فقالت:
لا يكفي أن تترك أثراً؛ فبعض الآثار جراح، وبعضها أجنحة.
أنا أضيف إلى الأثر قيمة، وإلى التجربة حكمة، وإلى المعرفة حياة.
وقال الثراء:
ولست في كثرة ما تملك، بل في كثرة ما تمنح.
قد يكون المال ثراءً، لكن العلم ثراء، والخلق ثراء، والعطاء ثراء، والأثر الصالح ثراء لا ينفد.
قد تطأ الأرض بقدمك، فتترك أثراً.
وقد تطأ قلباً بكلمة، فتترك إنساناً.
وقد تطأ الحياة بفكرة، فتترك أجيالاً.
وهنا يكمن الفرق بين من عاش في الحياة، ومن عاش في الناس.
فليس أعظم الأثر أن يذكرك الناس، بل أن يكونوا بعدك أفضل.
وليس الثراء أن تملك ما يبقى بعدك، بل أن تترك ما يبقى في غيرك.
فالأثر علامة، والآثار ذاكرة، والمؤثِّر بداية، والمؤثَّر به امتداد، والإيثار عطاء، والتأثير تغيير، والإثراء إضافة، والثراء الحقيقي أن تعبر الحياة، فلا تعبرها فارغاً.
يمضي الإنسان من الحياة، لكن الحياة لا تمضي منه.
فما تركه فيها أثر.
وما تركه في الناس حياة.
وقد يغيب الإنسان، لكن كلمته لا تغيب.
وقد يرحل، لكن موقفه يبقى.
وقد يُنسى اسمه، ولا يُنسى أثره.
لذلك فالسؤال الأهم ليس:
كم عشت؟
بل:
ماذا تركت؟
ليس:
كم ملكت؟
بل:
كم أثريت؟
وليس:
كم أثّرت في الناس؟
بل:
هل جعلتهم بعدك أفضل؟
فنحن لا نغادر الحياة دفعةً واحدة؛ نغادرها حين ينتهي أثرنا فيها.
وقد تطأ الأرض بقدمك، فتترك أثراً؛ وقد تطأ قلباً بكلمة، فتترك إنساناً؛ وقد تطأ الحياة بفكرة، فتترك أجيالاً.
وهنا يبلغ الأثر غايته: أن يغيب صاحبه، ولا يغيب أثره.
فالأثر الحقيقي ليس ما يبقى منك بعد غيابك فحسب؛
بل ما يستمر في العالم، وكأنك لم تغب.

