غلاء المهور وكماليات الزواج .. قصمٌ للظهور
منور خليفة الطويلعي
ليست أزمة غلاء المهور مجرد أرقام تُضاف إلى عقود الزواج، وليست كماليات الأفراح مجرد نفقات عابرة، بل هي قضية اجتماعية تمس استقرار الأسرة، ومستقبل الشباب، وأمن المجتمع. فحين تتحول الفرحة إلى التزام مالي يلاحق الزوج سنوات طويلة، تضيع كثير من مقاصد الزواج، ويبدأ بناء الأسرة على أعباء كان بالإمكان تجنبها.
وقد جعل الإسلام الزواج ميثاقًا غليظًا، وأساسًا لبناء الأسرة واستقرار المجتمع، ودعا إلى تيسيره بعيدًا عن التكلف والمغالاة، قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: 32].
وقال النبي ﷺ: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض»، فجعل معيار الاختيار الدين والخلق، لا قيمة المهر، ولا كثرة الكماليات، ولا مظاهر التفاخر. فكلما كان الزواج أيسر وأبعد عن التكلف، كان أقرب إلى تحقيق مقاصده الشرعية، وأدعى إلى دوام المودة واستقرار الأسرة.
ومع ذلك، يشهد واقعنا اليوم تنامي ظاهرة المغالاة في المهور، والتوسع في كماليات الزواج، حتى تحولت لدى بعض الناس من مناسبة لبناء أسرة مستقرة إلى سباق في المظاهر والتفاخر، فأصبحت تكاليف الزواج عبئًا يرهق الشباب، ويؤخر بناء الأسر، ويحول دون تحقيق كثير من مقاصد الزواج التي جاءت بها الشريعة الإسلامية.
بين هدي الشريعة ومظاهر التفاخر
لقد أرست الشريعة الإسلامية مفهومًا للزواج يقوم على اليسر والاعتدال، وجعلت معيار نجاحه حسن العشرة، والمودة، والرحمة، لا فخامة القاعات، ولا كثرة الولائم، ولا حجم الهدايا والكماليات. أما اليوم، فقد غلبت على بعض الناس ثقافة المظاهر والتفاخر، فأصبحت ليلة الزواج عندهم مناسبة لإبهار الآخرين، تُنفق فيها الأموال الطائلة على أمور تنتهي بانتهاء الحفل، بينما تبدأ الحياة الزوجية بأعباء مالية وديون قد تمتد سنوات طويلة.
ولعل أخطر ما أفرزته هذه الثقافة أن بعض حفلات الزواج أصبحت تُقاس بما تُحدثه من انبهار، لا بما تبنيه من استقرار، فكل حفل يُقارن بسابقه، وكل أسرة تسعى إلى تجاوز غيرها، حتى تحولت الأفراح عند بعض الناس إلى منافسة اجتماعية لا يكاد لها سقف.
ولا ينبغي أن يُترك الحبل على الغارب، حتى يتحول الزواج إلى مزادٍ اجتماعي يتنافس فيه الناس على من ينفق أكثر، ومن يُبهر الحاضرين بمظاهر البذخ والإسراف، وكأن قيمة الزواج تُقاس بحجم ما أُنفق فيه، لا بما يحققه من سكينةٍ واستقرار. والمؤسف أن فاتورة هذا التنافس تُحمَّل في الغالب للزوج، أو لمن أعانه من والديه وأقاربه، فتطوى صفحات ليلة الزفاف، وتبقى الديون والأقساط شاهدة على كلفة مظاهر لم تدم إلا ساعات.
ولو وُجِّه جزء من تلك الأموال إلى تأسيس بيت الزوجية، أو توفير مسكن مناسب، أو تكوين مدخرات تعين الزوجين على مواجهة أعباء الحياة، لكان أثرها أبقى نفعًا، وأعظم بركة، وأقرب إلى مقاصد الشريعة في بناء الأسرة واستقرارها.
فالبركة لا تُقاس بقيمة المهر، ولا بفخامة القاعات، ولا بكثرة الولائم، وإنما بطاعة الله، والإخلاص في النية، والاعتدال في النفقة، وحسن العشرة.
مسؤولية مشتركة… لا إفراط ولا تفريط
إن مسؤولية تيسير الزواج لا تقع على الشاب وحده، ولا على المرأة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين أولياء الأمور، والأمهات، والفتيات، ووجهاء المجتمع، والإعلام، وكل من يسهم في تشكيل ثقافة المجتمع.
ومن الحكمة أن تُضبط متطلبات الزواج بضوابط الشرع والعرف المعتدل، وألا تتحول الكماليات إلى التزامات يُقاس بها قدر الزوج أو مكانة الأسرة. فكثير من المطالب التي أصبحت تُعد اليوم من أساسيات الزواج ليست في حقيقتها إلا مظاهر اجتماعية فرضتها المقارنات وحب الظهور، ولا يعني ذلك الانتقاص من حقوق المرأة أو التقليل من مكانتها، وإنما الدعوة إلى التوازن الذي جاءت به الشريعة؛ فلا إفراط يرهق الزوج، ولا تفريط يضيع الحقوق، بل اعتدال يحقق الكرامة ويحفظ استقرار الأسرة.
كما أن المسؤولية لا تقتصر على الأسر وحدها، بل تشمل الشباب أيضًا، وذلك بحسن التخطيط، والابتعاد عن المبالغة في اختيار الكماليات، وعدم الانسياق وراء الضغوط الاجتماعية التي تجعل قيمة الزواج مرتبطة بالمظاهر لا بجوهره.
ديون تمتد… وهموم لا تنتهي
“حين تتحول ليلة زفاف واحدة إلى دين يمتد سنوات، يفقد الزواج شيئًا من بركته، وتبدأ الأسرة رحلتها بأعباء كان يمكن تجنبها.”
هذه ليست صورة بلاغية فحسب، بل واقع يعيشه كثير من الشباب، ولا سيما أصحاب الدخل المحدود، الذين يبدأون حياتهم الزوجية بقروض والتزامات مالية تستنزف جزءًا كبيرًا من دخولهم لسنوات طويلة. وربما يظل الزوج يسدد ديون زواجه حتى يدخل أبناؤه المدرسة، فيجد نفسه عاجزًا عن تلبية كثير من احتياجات أسرته. ولا يخفى أن الضغوط المالية المستمرة قد تكون سببًا في كثرة الخلافات الأسرية، وربما انتهى الأمر بالانفصال، فتكون الكماليات التي ظُنَّ أنها عنوانًا للسعادة سببًا في زعزعة استقرار الأسرة.
آثار اجتماعية تتجاوز الفرد
إن ارتفاع تكاليف الزواج لا ينعكس على الزوج وحده، بل يمتد أثره إلى المجتمع بأسره، فتزداد معدلات تأخر الزواج، ويتنامى عزوف كثير من الشباب عن الإقدام عليه، لما يرونه من أعباء مالية تفوق قدرتهم. وكلما يسر المجتمع الزواج، قلت الديون، وازدادت فرص بناء الأسر، واستقرت البيوت، وساهم ذلك في الحد من كثير من الآثار الاجتماعية والاقتصادية المترتبة على تأخر الزواج.
مبادرات تستحق الدعم
ومن المؤشرات الإيجابية ما شهدناه في الآونة الأخيرة من مبادرات واتفاقيات مجتمعية وقبلية هدفت إلى تحديد المهور، والحد من الإسراف في الولائم، وتقليل الكماليات التي استحدثها المجتمع دون حاجة حقيقية إليها.
وهذه المبادرات تستحق الدعم والتشجيع، لكنها لن تحقق أهدافها ما لم تتحول إلى ثقافة مجتمعية يلتزم بها الجميع، لا أن تبقى مجرد شعارات أو وثائق تُوقع ثم تُنسى. وإن خير البر عاجله، وما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلى أن تتبنى القبائل والعائلات ووجهاء المجتمع مواثيق عملية تُفعَّل على أرض الواقع، حتى يصبح تيسير الزواج سلوكًا راسخًا، لا مبادرة موسمية، فتخف التكاليف، وتكثر الزيجات، وتستقر البيوت، ويجني المجتمع كله ثمار ذلك.
إن الزواج ليس مشروعًا اقتصاديًا لإثقال كاهل الزوج، ولا مناسبة للتفاخر بين الأسر، بل هو ميثاق غليظ تُبنى به البيوت، وتُصان به الأعراض، وتستقر به المجتمعات.
وإن رقيَّ المجتمعات لا يُقاس بفخامة حفلات الزواج، وإنما بقدرتها على تيسير سبل الزواج، وبناء أسر مستقرة، وترسيخ قيم المودة والرحمة والاعتدال. فالمجتمع الواعي هو الذي يقدم البركة على المباهاة، والاستقرار على المظاهر، والمصلحة العامة على العادات التي أثقلت كاهل الشباب.
فلنجعل معيار التفاضل في الدين والخلق، ولنجعل البركة هدفنا، ولندعم كل مبادرة صادقة تُيسر الزواج، وتخفف أعباءه، وتعيد إليه وقاره وبساطته، حتى يبقى كما أراده الله تعالى: بابًا للعفاف، ومصدرًا للمودة والرحمة، وبدايةً لحياة كريمة، لا بدايةً لرحلة طويلة مع الديون.

