الجمعيات الخيرية بين النقد المشروع والتعميم المُضر!!
عبدالمحسن محمد الحارثي
تُعدّ الجمعيات الخيرية في المملكة العربية السعودية أحد أهم روافد التكافل الاجتماعي، وأحد المسارات المؤسسية التي تجسّد انتقال قيم البذل والعطاء من المبادرات الفردية إلى العمل المنظم الخاضع للحوكمة والإشراف.
فهي ليست كيانات إدارية فحسب، بل جزء من منظومة اجتماعية وتنموية متكاملة، نشأت من المجتمع وتطورت برعاية الدولة، حتى أصبحت شريكاً في التنمية، ومكوّناً أساسياً في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030.
لم تكن الجمعيات الخيرية في المملكة ظاهرة عابرة أو نشاطاً جانبياً، بل امتداداً تاريخياً لقيم المجتمع، وتعبيراً مؤسسياً عن روح التكافل التي شكّلت أحد أعمدة الهوية الاجتماعية.
وقد أولتها الدولة عنايةً مبكرة، فدعمتها ونظّمتها وطوّرت أطر عملها، حتى انتقلت من الاجتهادات الفردية إلى العمل المؤسسي المنضبط.
وقد أسهمت هذه الجمعيات في مجالات متعددة تمس حياة الناس مباشرة؛ من رعاية الأسر المحتاجة، وكفالة الأيتام، ودعم المرضى، وتحفيظ القرآن الكريم، وتنمية العمل التطوعي، إلى الوصول إلى الفئات الأكثر حاجة بمرونة وسرعة تكامل الجهد الحكومي ولا تناقضه..وهذا الأثر لم يكن وليد لحظة، بل ثمرة تراكم طويل من العمل والخبرة والتجربة.
ومع هذا التطور، خضع القطاع غير الربحي لمنظومة تنظيمية ورقابية متكاملة تقوم على الحوكمة والشفافية والإشراف المالي والإداري والفني، بما يضمن رفع الكفاءة، وتعزيز النزاهة، ومعالجة أي قصور ضمن الأطر النظامية المعتمدة لدى الجهات المختصة.
ومن هنا، فإن تناول هذا القطاع لا بد أن يقوم على التمييز الدقيق بين النقد البنّاء والتعميم المُخل؛ لأن الخلط بينهما لا يضر الصورة العامة فحسب، بل يربك الوعي العام ويضعف القدرة على التقييم الموضوعي ويشوّه طبيعة العمل المؤسسي برمّته.
فالنقد الموضوعي ضرورة إصلاحية لا تستقيم المؤسسات بدونها، وهو أداة لتقويم الأداء وتحسين المخرجات، وجزء أصيل من دورة التطوير المؤسسي. أما التعميم، فإنه لا يكتفي بتجاوز التفاصيل، بل يعيد صياغة الاستثناء بوصفه قاعدة، ويحوّل الأخطاء المحدودة إلى أحكام كلية، بما يُخلّ بميزان العدالة ويصيب بيئة الثقة في عمقها.
إن المؤسسات البشرية، مهما بلغت من التنظيم والضبط، لا تخلو من القصور، غير أن القصور الجزئي لا يُسقط المنجز الكلي، ولا يُبرر اهتزاز الثقة بالمنظومة بأكملها. وكما أشار الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون: «لا ينبغي كسر الساعة لإصلاح عقاربها»، في إشارة دقيقة إلى أن الإصلاح الرشيد يُوجَّه نحو موضع الخلل دون الإضرار بالبنية التي تعمل وتنتج وتخدم.
وفي السياق الوطني، يحظى القطاع غير الربحي بدعم واضح من الدولة، وتأكيد مستمر على تمكينه وتعظيم أثره، باعتباره شريكاً تنموياً فاعلاً في بناء الإنسان وخدمة المجتمع، لا مجرد قطاع مساعد. وهو ما يعكس رؤية مؤسسية ترى في هذا القطاع أحد أعمدة التنمية المستدامة، لا هامشاً من هوامشها، بل أحد أدواتها الأكثر تماساً مع الإنسان واحتياجاته اليومية.
إن أخطر ما يواجه هذا القطاع ليس وجود ملاحظات قابلة للمعالجة أو تحسينات مطلوبة، بل تحوّل الخطاب العام إلى خطابٍ يُعمّم دون تمحيص، ويُصدر الأحكام دون تفريق، فيخلط بين الخطأ الفردي والأداء المؤسسي، وبين التجربة المحدودة والصورة الكلية. فالثقة ليست ترفاً خطابياً في العمل الخيري، بل هي شرط وجوده واستمراره وقدرته على التأثير.
وقد عبّر المفكر والسياسي الأيرلندي إدموند بيرك عن هذا المعنى حين قال: «المجتمع شراكة بين الأحياء والأموات والذين لم يولدوا بعد». والجمعيات الخيرية إحدى أبرز صور هذه الشراكة الممتدة، حيث تتجسد قيم العطاء عبر الأجيال، وتتحول إلى أثر اجتماعي حيّ يعكس تماسك المجتمع واستمراريته.
إن الدفاع عن هذا القطاع لا يعني إنكار القصور أو تعطيل المحاسبة، بل يعني إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح: محاسبة منضبطة، ونقد مسؤول، وإصلاح لا يهدم المنظومة بل يقوّمها، وثقة لا تُمنح على إطلاقها ولا تُسحب بانفعال، بل تُبنى على الحقائق والإنجازات والأنظمة والنتائج.
إن الجمعيات الخيرية في المملكة ليست عبئاً على المجتمع، بل إحدى أدواته الحيوية، وجزءاً من قوته الناعمة، وشريكاً أساسياً في بناء الإنسان قبل البنيان. ورغم ما قد يعتري بعض أعمالها من قصور بشري، فإنها تبقى شاهداً على وعي المجتمع، وتطور الدولة، ونضج المنظومة التنظيمية التي تحكم هذا القطاع وتطوره باستمرار.
إن الأمم لا تُبنى بكثرة النقد وحده، ولا بالثقة المطلقة وحدها، بل بميزان دقيق يجمع بين الإنصاف والإصلاح؛ فلا تعميم يُفسد الصورة، ولا مجاملة تُعطل التقويم، وإنما وعيٌ يضع كل مؤسسة في حجمها الحقيقي، ويمنح كل جهد حقه من التقدير والمساءلة، دون إفراط ولا تفريط.
وفي ضوء ذلك، يبقى السؤال الجوهري: كيف نحافظ على الثقة بالمؤسسات التي تخدم المجتمع دون أن نغلق باب النقد المسؤول أو نسمح في الوقت ذاته للتعميم أن يطغى على الحقيقة؟
والجواب يكمن في معادلة واضحة: نقد منصف، ومحاسبة عادلة، وثقة تُبنى على الحقائق لا على التعميم، على الإنصاف لا على الانطباع، وعلى الإصلاح لا على الهدم!!

