الوصية التي سبقت الغياب



 

نورة بنت طالب العنزي :

رغم ضجيجها الأدبي، وحضورها المتوهج في المشهد الثقافي، ومشاركاتها الثرية في الندوات والملتقيات والحوارات الفكرية، رحلت الدكتورة عائشة الحكمي بهدوءٍ يليق بالكبار؛ أولئك الذين يمضون تاركين خلفهم أثرًا أوسع من أعمارهم، وأبقى من حضورهم الجسدي.

رحلت صاحبة الكلمة، لكن الكلمة التي عاشت لها لم ترحل.

وغابت القامة الأكاديمية والثقافية، لكن أثرها ما زال يتردد في القاعات التي شهدت محاضراتها، وفي النصوص التي كتبتها، وفي الأرواح التي لامستها بعلمها ومحبتها وإيمانها العميق بالإنسان.

كانت الدكتورة عائشة أستاذًا مساعدًا في الأدب الحديث، لكنها كانت أكبر من لقبٍ أكاديمي، وأرحب من منصبٍ علمي. كانت معلمةً للشغف قبل أن تكون معلمةً للنصوص، وكانت تؤمن بأن المعرفة رسالة، وأن الثقافة فعل بناءٍ وجمال، لا مجرد حضورٍ عابر في المناسبات.

عرفتها في فضاءات العمل الثقافي، فوجدت فيها قلبًا نقيًا يتسع للجميع، وعقلًا يؤمن بالمواهب الشابة، وروحًا تفرح بنجاح الآخرين وكأنه نجاحها الشخصي. كانت تزرع الأمل حيثما حلّت، وتمنح من وقتها وتشجيعها ما يجعل من حولها أكثر يقينًا بأن الطريق يستحق أن يُكمل.

لكن أكثر ما يؤلمني اليوم ليس رحيلها وحده، بل تلك التفاصيل الصغيرة التي كبرت بعد الفقد حتى صارت أثقل من الاحتمال.

أذكر ذلك اليوم حين ركبت معي السيارة، وقالت بابتسامتها الدافئة:

«أخيرًا سأكون جزءًا من يوميات نورة».

ضحكتُ يومها، ومضت العبارة كما تمضي الكلمات الجميلة في زحام الأيام.

لكنها اليوم تعود إليّ مثقلةً بكل هذا الوجع.

أستعيدها فأشعر أن الله أبقى من معناها ما لم يُبقِ من اللحظة نفسها.

نعم يا دكتورة عائشة…لقد أصبحتِ جزءًا من يومياتي فعلًا.

جزءًا من الدعاء كلما رفعت يدي إلى السماء.

وجزءًا من الذكرى كلما مرّ اسمك في حديث.

وجزءًا من الحنين كلما تذكرت صوتك وضحكتك وكلماتك المضيئة.

وقبل رحيلها بأيام قليلة، جمعنا عشاءٌ ثقافي، وكان الحديث يدور حول الأحلام القادمة، والمشروعات المؤجلة، والطموحات التي ما زالت تنتظر أصحابها.

كانت تتحدث بشغفها المعهود، وكأن العمر ما زال ممتدًا أمامها، وكأن للأيام متسعًا لكل ما كانت تحلم به.

ثم التفتت إليّ وقالت:

«نورة، لا تسمحي لأحد أن يطفئ شغفك».، قالتها بهدوءٍ عابر، لكنني اليوم أسمعها كوصية ، كأنها كانت تودع جزءًا من روحها في كلماتها الأخيرة ، ثم أتبعتها بعبارةٍ ما زالت محفورةً في أعماقي:

«نورة، ننتظر أن نسمع قصة نجاح إعلامي وثقافي، وقصة حب باذخة، وأسرة مميزة، وثراءً لمجتمعك، والإسهام في خدماته التي بدأت تتسع، وسيكون لك الدور المرتقب».

لم أكن أعلم أن تلك الكلمات ستكون آخر ما يبقى لي منها.

ولم أكن أعلم أن من كانت تحدثني عن الغد، كانت تمضي بهدوء نحو غيابها الأبدي.

منذ رحيلها، وأنا أعود إلى تلك اللحظات كثيرًا ، أقرأ كلماتها كما تُقرأ الوصايا ، وأستمع إلى صوتها في الذاكرة كما لو أنه لم يغادر.

وأحاول أن أصدق أن الإنسان قد يغيب، بينما يبقى حضوره في القلب أكثر كثافةً من أي وقتٍ مضى.

وما أقسى أن يتحول الحديث عن الأحلام إلى ذكرى.

وما أقسى أن تصبح الكلمات التي قيلت على عجل آخر ما نتشبث به بعد الرحيل.

لقد رحلت عائشة، لكنها تركت خلفها ما هو أبقى من العمر؛ تركت أثرًا في القلوب، وسيرةً في الذاكرة، ومحبةً لا يطفئها الغياب.

رحمك الله يا عائشة…يا صاحبة الوجه البشوش، والحضور الذي لا يُنسى ، يا من كنتِ تملئين المجالس علمًا ودفئًا وحياة ، سنفتقد مداخلاتك الثرية، وحديثك المفعم بالشغف، وإيمانك الجميل بالناس.

سنفتقد وجودك في المشهد الثقافي، حتى ليخيل إلينا أن شيئًا من الضوء قد انطفأ برحيلك.

وسيظل مقعدك خاليًا في كثير من اللقاءات، لكن مكانك في القلوب سيبقى عامرًا لا يعرف الفراغ.

رحلتِ بصمت، لكن غيابك كان صاخبًا في أرواحنا.

ورحلتِ مبكرًا، لكنك تركتِ من الأثر ما يكفي ليمنحك حياةً أخرى في ذاكرة كل من عرفك وأحبك.

رحمك الله رحمةً واسعة، وأسكنك الفردوس الأعلى.

أما أنا، فسأظل أذكر كلماتك الأخيرة كلما أوشك التعب أن يطفئ شيئًا من الشغف، وسأرددها كما لو أنها عهدٌ بيني وبينك.

وسأظل أؤمن أن بعض البشر لا يرحلون حقًا؛ لأنهم يتركون من النور ما يهدي الغائبين بعدهم، ومن المحبة ما يعجز الزمن عن محوه.

سلامٌ على روحك الطيبة…

وسلامٌ على امرأةٍ مرت في حياتنا كنسمةٍ من نور، ثم مضت تاركةً وراءها قلبًا مثقلًا بالفقد، وذاكرةً عامرةً بالجمال، وأثرًا لا يعرف الرحيل