احتمالية العودة إلى نقطة البداية ..



رائد ال شهاب 

انخرطت الولايات المتحدة في العديد من الصراعات العسكرية عبر تاريخها، وتشير الدراسات إلى أنها خلال ما يقارب 250 عاماً منذ عام 1776، كانت في حالة حرب أو متورطة في تدخلات عسكرية كبيرة لأكثر من 220 عاماً.

ورغم أن الكونغرس أعلن رسمياً عن 5 حروب فقط، شملت 11 صراعاً منفصلًا فقد انخرطت البلاد في عمليات عسكرية متكررة، بل ومستمرة في كثير من الأحيان، على مدار تاريخها.

ولذلك، تشير بعض التحليلات إلى أن الولايات المتحدة كانت في حالة حرب لأكثر من 90% من تاريخها، مما يعني أنها لم تنعم إلا بأقل من 20-30 عاماً من السلام التام منذ عام 1776.

قد يسأل البعض، ما هي عوامل القوة؟

طبعاً العوامل كثيرة، ولكن سأذكر ثلاث منها:

كان العامل الرئيسي الذي جعل الولايات المتحدة بهذه القوة هو أنها لم تشارك في معظم أحداث الحرب العالمية الثانية.

وهذا يعني أنه بعد انتهاء الحرب، وبينما كان معظم العالم يتعافى من آثارها ويعيد بناء المدن والمصانع، تمكنت الولايات المتحدة من الهيمنة الصناعية والاقتصادية.

وعلى مر العقود، تضاءلت هذه الميزة التنافسية تدريجياً مع تعافي بقية العالم، لكن الولايات المتحدة استطاعت مع ذلك استغلال تلك الفترة التي تمتعت فيها بميزة واضحة لتصبح لاعباً رئيسياً على الصعيد الدولي تمتلك الولايات المتحدة مساحة شاسعة غنية بالموارد الطبيعية، مما يوفر بيئة مثالية لتطوير الصناعات الثقيلة والتكنولوجيا، فضلًا عن وجود عدد كبير من السكان لدعم الاقتصاد ومساندة هذه الصناعات.

إن تركيزها على الحرية الشخصية والصناعة جعلها جذابة للغاية للعلماء والمهندسين رفيعي المستوى للعمل وحتى الهجرة إليها، خاصة خلال حقبة الحرب العالمية الثانية عندما كان الخبراء يفرون من ألمانيا وأوروبا بشكل عام هربًا من النازيين. وبذلك حقق النظام منذ عام 1945 سلاماً وازدهاراً وحرية كبيرة لوقت واهداف محددة لا شيء يدوم إلى الأبد، لكل نظام دولي نهاية.

لقد رسّخ السلام الروماني استقرار منطقة البحر الأبيض المتوسط ​​الكبرى، إلى أن بدأ بالتدهور. وازدهر النظام العالمي البريطاني في القرن التاسع عشر، لكنه انهار وسط حربين عالميتين في القرن العشرين. واليوم، في عالم مضطرب تقوده أمريكا المتقلبة، يصعب ألا نتساءل عما إذا كان النظام الذي تقوده الولايات المتحدة في طريقه إلى الزوال. وقد أشار المؤرخ البارز من جامعة كامبريدج، بريندان سيمز، إلى أن الأنظمة الدولية تنتهي عادةً بإحدى ثلاث طرق:

إما بالهزيمة في حرب أو بفشل كارثي في ​​الردع أو بالتدهور الاقتصادي أو باختلاف الترتيبات السياسية والاقتصادية للنظام أو من خلال انهيار احترام قواعدها ومعاييرها التوجيهية فإن سياسات أمريكا الحالية تُفاقم هذه المخاطر بشكلٍ متزايد. قد تنهار الأنظمة نتيجةً للقتل أو الإرهاق أو الانتحار واليوم، يصعب استبعاد أيٍّ من هذه النهايات.

في ظل الهيمنة الأمريكية عن طريق استخدام القوة، والفوضى العالمية المخيفة وحبس الانفاس والنفق المظلم الذي يعيشه العالم، أحادي القطب مائل إلى التراجع والانحدار في جميع الاتجاهات.

وفي الشأن الداخلي شهدت الولايات المتحدة مظاهرات واحتجاجات ضد الرئيس الحالي، والذي نُظّم في 28 مارس 2026.

وقد استقطب هذا الحدث ما يُقدّر بثمانية إلى تسعة ملايين مشارك في أكثر من 3,300 موقع في جميع أنحاء البلاد، ما جعله أكبر احتجاج في يوم واحد في تاريخ الولايات المتحدة.

وفي المقابل، رفع ائتلاف يضم عشرين مدعياً عاماً ديمقراطياً في الولايات دعويين قضائيتين فيدراليتين في الشهر الخامس من عام 2025، زاعمين أن الإدارة الحالية تُهدد بحجب مليارات الدولارات من تمويل النقل والإغاثة في حالات الكوارث ما لم توافق الولايات على إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة.

ومن بين أهم عوامل ضعف أمريكا، التنافس الحاد والفجوة السريعة جداً ضد التنين الصيني “أعجوبة القرن الحديث” ومجموعة BRICS. تحوّل الجيش الصيني (جيش التحرير الشعبي) من قوة كبيرة وقديمة إلى قوة حديثة ومهيبة، وذلك بشكل رئيسي خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية. وبفضل النمو الاقتصادي الهائل وزيادة الإنفاق بنسبة 740%، سارع جيش التحرير الشعبي في تحديثه بعد التسعينيات، ساعياً إلى بلوغ مكانة مماثلة للولايات المتحدة بحلول عام 2035.

فالقوي العظمي الأخرى لها الالف من السنوات في الحضارة وتعاملها مع معطيات العالم تختلف 180 درجة عن الولايات المتحدة في عوامل التوازن العالمي.

ومن هنا، قد تواجه الولايات المتحدة التفكك الداخلي لبعض الولايات، وقد لا تصيح متحدة على المدى القريب باطنياً، لكل ولاية قوانين مختلفة عن بعضها البعض. فهي من بين الدول الوحيدة التي يعيش عليها جميع الخلفيات البشرية دنياً وفكرياً .. الخ. وهذا أحد اسرار صعودها الصاروخي، وقيادة العالم في اقل من 250 سنه من عمر تأسيسها القصير. نعم احتمالية العودة إلى نقطة البداية وارده.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • Rating


مواضيع ذات صلة بـ احتمالية العودة إلى نقطة البداية ..

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الراية الإلكترونية © 2018 - 2026

تصميم شركة الفنون لتقنية المعلومات