حين يشتري البيتُ صاحبَه ..



عبدالمحسن محمد الحارثي

ليست كل المسلَّمات جديرةً بالتسليم، ولا كل ما تعارف عليه الناس هو الخيار الأمثل؛ فبعض القرارات يصنعها ضغط المجتمع أكثر مما يصنعها العقل.

كلما اشترى أحدهم منزلًا ؛ انهالت عليه التهاني، وقيل له: مبارك… لقد استقررت.

لكن قلَّ من يسأله: هل استقررت فعلًا، أم بدأت رحلةً جديدة مع قسطٍ يمتد خمسةً وعشرين عامًا؟

فالاستقرار لا يُقاس بعدد الغرف، ولا بفخامة الواجهة، وإنما بقدر ما يبقى الإنسان سيدًا لقراره، لا أسيرًا لالتزاماته.

ومن هنا ؛ يبدأ السؤال الذي يستحق أن يُطرح: هل نشتري منزلًا اليوم، أم نبني ثروةً تشتري لنا المنزل غدًا؟

لقد فتحت البنوك أبواب التمويل على مصاريعها، حتى أصبح الحصول على قرضٍ عقاري أيسر من أي وقت مضى. لكن سهولة الاقتراض ليست دليلًا على صواب القرار؛ فالبنك لا يمنحك منزلًا بقدر ما يرهن جزءًا معتبرًا من دخلك لسنوات طويلة.

ليست كل قدرةٍ على الاقتراض… قدرةً على التملك.

فالمنزل قد يُشترى في يوم، لكن ثمنه قد يُدفع على امتداداً ربع قرن. وخلال هذه السنوات لا يخرج من الراتب قسطٌ فحسب، بل قد تخرج معه فرصٌ ضائعة، واستثماراتٌ مؤجلة، ومشروعاتٌ لم تولد.

كلما طالت مدة القرض ؛ قصر مدى حريتك المالية.

وحين يتحول الراتب إلى ممرٍ للقسط ؛ فإن ذلك يفقد المال رسالته، وتفقد الحياة بعض جمالها.

ثم إن الناس يتحدثون عن العقار وكأنه أصلٌ واحد، بينما الحقيقة غير ذلك. فالشقة أصلٌ يحدّ من قيمته الاستهلاك، والدبلكس يحقق حاجة السكن لكنه يستنزف السيولة، أما الأرض الفضاء فهي – في كثير من الأحيان – أكثر الأصول قدرةً على حفظ القيمة وتحقيق النمو.

غير أن المفاضلة بين الشقة والدبلكس والأرض لا ينبغي أن تحجب المفاضلة الأهم: بين أصلٍ يستهلك دخلك، وأصلٍ ينمّي ثروتك.

وهنا ينتقل السؤال من سوق العقار… إلى سوق العمر.

ماذا لو أن مبلغ القسط الشهري استُثمر، بالانضباط نفسه، في الأسهم، أو في الصناديق الاستثمارية، أو في تجارةٍ مدروسة؟ ماذا ستكون الحصيلة بعد خمسةٍ وعشرين عامًا؟

ليس المقصود أن الاستثمار ينجح دائمًا، أو أن التملك خطأ دائمًا؛ فلكل خيار مخاطره وظروفه. لكن الإنسان كلما بنى أصولًا منتجة قبل التزاماتٍ طويلة، اتسعت خياراته، وخفَّت حاجته إلى الاقتراض.

الاستثمار قد يشتري لك بيتًا… أما الدين الطويل، فقد يشتري منك سنوات.

وهذه ليست دعوة إلى الإيجار، ولا إلى تأجيل حلم التملك، وإنما دعوة إلى أن يكون البيت ثمرةً للقوة المالية، لا سببًا في استنزافها.

فالبيت الذي يشتري راحتك نعمة، أما البيت الذي يشتري عمرك، فصفقةٌ تستحق أن تُراجع.

لقد أقنعتنا الثقافة السائدة أن النجاح يبدأ بصك الملكية، بينما تقول الحكمة إن النجاح يبدأ يوم يصبح قرارك المالي ملكًا لك.

فالغنى ليس في اتساع المنزل، بل في اتساع الخيارات. والثروة ليست فيما تملك، بل فيما يبقى لك بعد الوفاء بالتزاماتك.

ولذلك فإن الحكيم لا يسأل: كم سأدفع كل شهر؟ بل يسأل: ما أثر هذا القرار في حياتي بعد خمسةٍ وعشرين عامًا؟

ولا ينظر إلى مفتاح المنزل بقدر ما ينظر إلى مفتاح حريته المالية.

لا تشترِ منزلًا بعمرك، إذا كان في وسعك أن تشتريه بثروتك.

فقد يؤخر بناءُ الثروة حلمَ التملك سنوات، لكنه يجعل التملك أكثر رسوخًا، وأقل كلفة، وأبعد عن القلق.

فالبيت يمكن أن يُبنى مرةً واحدة… أما العمر، فلا يُعاش مرتين.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • Rating


مواضيع ذات صلة بـ حين يشتري البيتُ صاحبَه ..

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الراية الإلكترونية © 2018 - 2026

تصميم شركة الفنون لتقنية المعلومات