رفوف الصبر ..
د. جواهر الروقي
كان الرجل يقف كل صباح أمام باب متجره المغلق منذ سنوات ، يمسح الغبار عن اللافتة، ويعيد ترتيب الأقفال، ثم ينصرف. سأله أحد المارة يومًا: “لماذا تأتي كل يوم إلى متجر لا يفتح؟”
ابتسم وقال:
“لأنني ما زلت أصبر… وربما يأتي يوم يتغير فيه كل شيء.” مضت الأعوام، ولم يتغير شيء… إلا عمر الرجل ، لم يكن ينقصه الصبر، بل كانت تنقصه شجاعة القرار.
نحن نُقدّس الصبر حتى أصبح عند كثير منا قيمةً تُمارس في كل الأحوال، دون أن نسأل: هل هذا هو الصبر الذي أراده الله؟
كم من إنسان بقي في علاقة تستنزفه باسم الصبر، وآخر بقي في وظيفة تهدر كرامته باسم الصبر، وثالث عاش سنوات تحت وطأة ظلم أو عادة أو واقع مؤلم وهو يردد: “الصبر مفتاح الفرج.” لكن السؤال الذي نخشى مواجهته هو: هل كل بقاء صبر؟ وهل كل رحيل ضعف؟
لقد اختلط علينا مفهوم الصبر حتى أصبح في بعض الأحيان غطاءً للخوف، وستارًا للتردد، وعذرًا للهروب من مسؤولية اتخاذ القرار ، الصبر في الإسلام ليس أن تبقى حيث يهلكك البقاء، وليس أن تقف متفرجًا على انهيارك الداخلي ثم تسمي ذلك احتسابًا ، ولهذا كان منهج النبي ﷺ مختلفًا عن الصورة التي رسمها البعض للصبر.
حين اشتد أذى قريش، لم يقل للمسلمين: ابقوا مهما كان الثمن، بل أذن لهم بالهجرة إلى الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة. لم يكن ذلك هروبًا من الواقع، بل انتقالًا إلى واقع يمكن أن تُقام فيه الرسالة ، وحين اشتد الحصار في الخندق، لم يكتفِ بالدعاء، بل أخذ بالأسباب، وحفر الخندق، واستشار أصحابه، وغير مجرى الأحداث ، بل حتى ذلك الأعرابي الذي ترك ناقته دون أن يعقلها متذرعًا بالتوكل، صحح له النبي ﷺ المفهوم بكلماته الخالدة: “اعقلها وتوكل.”
ففي المنهج النبوي لا تعارض بين الصبر والعمل، ولا بين الرضا والقرار، ولا بين التوكل والأخذ بالأسباب ، الصبر الحقيقي أن تثبت على الحق، لا أن تثبت على الخطأ ، وأن تتحمل ألم الإصلاح، لا أن تعتاد ألم الاستنزاف ، هناك فرق كبير بين من يصبر حتى يبلغ غايته، ومن يصبر حتى يفقد نفسه.
أخطر ما يفعله الإنسان بنفسه أنه يصنع في قلبه “رفوفًا للصبر” ، كلما آلمه أمر، وضعه على أحد تلك الرفوف.
كلما خذله شخص، قال: سأصبر.
كلما أرهقته الحياة، قال: سأصبر.
حتى تمتلئ الرفوف بأوجاع مؤجلة، وقرارات مؤجلة، وأحلام مؤجلة ، ومع مرور الوقت، لا يصبح الصبر عبادة، بل يصبح عادة ، وعندما يتحول الصبر إلى عادة، يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين ما يجب احتماله، وما يجب تغييره ، إن الحياة لا تُقاس بقدرتنا على الاحتمال فقط، بل بقدرتنا على معرفة اللحظة التي يصبح فيها القرار واجبًا.
فالقرارات الشجاعة غالبًا ما تكون مؤلمة في بدايتها، لكنها رحيمة في نهايتها ، قد تخسر بها مكانًا، أو علاقة، أو مرحلة من عمرك، لكنك تكسب نفسك من جديد ، ولعل أكثر ما نخسره حين نؤجل القرار ليس الوقت، بل أجزاءً من أرواحنا لا تعود كما كانت ، لذلك، قبل أن تضيف ألمًا جديدًا إلى رفوف الصبر، اسأل نفسك:
هل هذا صبرٌ يقربني إلى الله ويصلح حياتي؟
أم أنه خوفٌ أطلقت عليه اسم الصبر حتى أرتاح من عناء القرار؟
فليس كل من صبر نجا، ولكن كل من أحسن التمييز بين الصبر والقرار… نجا بنفسه قبل أن ينجو بظروفه.

