حُرَّاس الضِّلال ..
عبدالمحسن محمد الحارثي
“بعض الناس لا يعيشون في ظلال العظماء حباً لهم، بل خوفاً من أن يقفوا وحدهم تحت شمس الحقيقة”.
في كل مجتمع أناس يصنعون حضورهم بأنفسهم، وآخرون يفضّلون العيش في ظلال غيرهم، يستمدون منهم القوة، ويستعيرون منهم المكانة، حتى يصبح وجودهم مرهوناً ببقاء تلك الظلال. هؤلاء هم «حراس الظلال».
ليسوا أوفياء بالضرورة، وإن بدا عليهم ذلك؛ لأن الوفاء الحقيقي لا يقوم على التبعية، ولا يُبنى على الخوف. فالوفاء خُلُقٌ أصيل، أما حراسة الظلال فغالباً ما تكون بحثاً عن الأمان، أو رغبةً في النفوذ، أو عجزاً عن بناء الذات.
إنهم يبحثون عن ظلٍّ وارف يستندون إليه، ثم يتحولون إلى حراسٍ له، يبالغون في الدفاع عنه، ويتحدثون باسمه، ويصنفون الناس على أساس قربهم منه أو بعدهم عنه. ومنهم من لا يرى لنفسه قيمة إلا بالقرب من «القِدْرِ الكبير»، فيجعل من الذود عنه مشروعاً دائماً، لا دفاعاً عن مبدأ، بل دفاعاً عن مكانة استعارها منه.
ولعل الخلل الأكبر في «حراس الظلال» أنهم يعرفون الرجال قبل أن يعرفوا الحق، ويزنون المبادئ بميزان الأشخاص، مع أن الحكمة الخالدة تقول: “لا تعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله”. فالأشخاص يتغيرون، والمواقع تزول، أما المبادئ فتبقى.
ولذلك ؛ جاء التوجيه الرباني حاسماً: ﴿وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾؛ لأن الدفاع عن الأشخاص لمجرد القرب أو المصلحة ؛ يُفْسِد ميزان القيم، ويحوّل الإنسان من صاحب مبدأ إلى مجرد تابع.
والحقيقة الأكثر مرارة أن بعض الناس لا يخشون سقوط من يحرسونهم، بقدر ما يخشون أن يعودوا إلى أحجامهم الحقيقية. فهم لا يدافعون عن الأشخاص حباً فيهم، بقدر ما يدافعون عن القوة التي استعاروها منهم.
وما أجمل القوة حين تنبع من صُلب الإنسان؛ من شخصيته، ومبدئه، وثقته بنفسه. فالقوة التي يمنحها المنصب تزول بزواله، أما القوة التي تصنعها الشخصية فتبقى.
وأضعف الناس ؛ مَنْ ظن أن هيبته مستعارة من نفوذ غيره ، فإذا غاب السند ؛ ظهر الحجم الحقيقي.
إن المجتمعات القوية لا تنهض بكثرة المصفقين ولا بحراس الظلال، وإنما تنهض بالعقول المستقلة والضمائر الحية.
فالرجال لا تُقاس بقربها من الأقوياء، بل بقدرتها على الوقوف وحدها حين تغيب الظلال؛ فالظل لا يصنع شجرة، وكذلك القرب من الأقوياء لا يصنع رجلاً.
والكتابة الصادقة تشبه المرآة؛ لا تخلق الوجوه، وإنما تعكسها.
لذلك ؛ ما إنْ تُطرح بعض الشفرات الاجتماعية حتى تبدأ النفوس في فك رموزها، وتخرج الاعترافات من الصدور دون سؤال. ومن رأى في المرآة صورةً لا تعجبه، فليس ذنب المرآة أنها كانت صادقة.
إن الرجولة الحقيقية ليست في أن تكون حارساً لظل غيرك، بل في أن تكون صاحب موقف مستقل، وأن تقف مع الحق ولو خالف من تحب.
فالوفاء ؛ أن تمشي مع الحق ولو كنت وحدك، أما التبعية ؛ فهي أن تمشي مع الأشخاص ولو كانوا على غير حق.
وليعلم حراس الظلال ؛ أن الظلال تتبدل، وأن المناصب والوجاهات لا تدوم، ولن يبقى للإنسان في نهاية المطاف إلا ما بناه في نفسه من قيم، وما شيده في شخصيته من استقلال.
فالإنسان الأصيل لا يقتات على ظلال الآخرين، بل يصنع مكانه بنفسه، ويستمد قامته من مبدئه لا من أكتاف غيره.
“من جعل نفسه ظلاً لغيره ؛ أطفأ شمس شخصيته بيده، ومن اعتاد الوقوف في الظلال ؛ أرهقه ضوء الحقيقة”.

