وعي المجتمع لا يواكب وعي الدولة ..



عبدالمحسن محمد الحارثي

تمضي الدولة اليوم في مسار تطوير متسارع، يعيد تشكيل الاقتصاد والخدمات والتعليم والإدارة، ويؤسس لمرحلة أكثر كفاءة وعمقاً في إدارة التنمية.

وتبدو حركة التحول أقرب إلى مشروع وطني واعٍ، يستند إلى رؤية واضحة في بناء المستقبل.

لكن، وعلى خط موازٍ ؛ يتحرك الوعي الاجتماعي بإيقاع أبطأ، فتتسع الفجوة بين سرعة الدولة وقدرة المجتمع على الاستيعاب والتكيّف.

وهنا لا تكمن المشكلة في غياب التنمية، بل في بطء تَشكّل الوعي المصاحب لها.

إن أخطر ما يواجه أي مشروع نهضوي ليس في ضعف الموارد، بل في تأخر الإنسان عن مواكبة التحول.

ولهذا ؛ يبقى السؤال: هل يواكب المجتمع هذا التسارع، أم أنه ما زال أسير أنماط استهلاكية وعادات اجتماعية لم تُراجع بعد؟

يقول مالك بن نبي:

“مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته”.

أي أن الخلل الحقيقي ليس في الأدوات، بل في الإنسان الذي يُحسن أو يُسيء استخدامها.

ومن أبرز مظاهر هذا التباين ؛ اتساع مساحة العادات الاجتماعية التي تحولت من قيم مرنة إلى التزامات مرهقة؛ خصوصاً في المناسبات، حيث يتسع الهدر في المال والوقت والجهد ، وتتحول بعض صور الفرح إلى عبء اقتصادي واجتماعي.

وفي هذا السياق ؛ يتجلى التوجيه القرآني كقاعدة سلوكية جامعة:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾.

ويأتي التحذير أشد وضوحاً:
﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ۝ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾.

وفي الهدي النبوي قال محمد بن عبد الله:
“كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير إسرافٍ ولا مخيلة”.

وهنا ؛ يتضح أن ضبط السلوك الاستهلاكي ليس خياراً ثانوياً، بل جزء من بناء الاستقامة الاجتماعية والاقتصادية.

ومن زاوية أوسع ؛ لم تعد بعض الدول تكتفي بالوعظ الاجتماعي أو التوعية، بل اتجهت إلى التقنين الجزئي لبعض الممارسات الاجتماعية والاقتصادية لضبط الهدر وتقليل الضغط على الأسر.

ففي المملكة العربية السعودية ؛ ظهرت أنظمة وإجراءات تحد من بعض الممارسات الاستهلاكية الضاغطة مثل تنظيم الإعلانات المبالغ فيها، وضبط بعض جوانب المناسبات العامة والفعاليات، إلى جانب توجهات واضحة في ترشيد الإنفاق وتعزيز جودة الحياة ضمن رؤية شاملة لإعادة تشكيل السلوك الاستهلاكي بطريقة تدريجية.

وفي فرنسا ؛ فُرضت قيود على بعض أشكال الهدر الغذائي في المتاجر، وأُلزمت المؤسسات بإعادة توزيع الفائض بدل التخلص منه، في خطوة تعكس أن “الهدر ليس حرية مطلقة”.

وفي سنغافورة ؛ لا يُنظر إلى التنظيم الاجتماعي بوصفه تقييداً، بل كجزء من فلسفة الدولة في “صناعة مجتمع منضبط اقتصادياً وسلوكياً”، حيث تتداخل القوانين مع التربية العامة في تقليل السلوكيات الاستهلاكية غير الضرورية.

هذه التجارب ؛ تؤكد أن الوعي وحده أحياناً لا يكفي دون إطار تنظيمي داعم، وأن القانون يمكن أن يكون أداة تهذيب اجتماعي لا مجرد عقوبة.

ومن هنا تتشكل معادلة مهمة:
الوعي يُمهّد… والقانون يُثبّت.

وفي الواقع الاجتماعي ؛ تتشكل مفارقة لافتة:

دخل محدود يقابله نمط حياة يتسع باستمرار، فتتكرر عبارة “الراتب لا يكفي”، بينما تتسع الكماليات والمجاملات الاجتماعية حتى تلتهم الفارق بالكامل.

وقد قال مصطفى صادق الرافعي:

“الناس لا يعيبهم الفقر، ولكن يعيبهم التظاهر بالغنى”.

وفي عمق هذا المشهد ؛ تتحول بعض المناسبات من مساحة فرح إلى مساحة إثبات اجتماعي، تُقاس فيها المكانة بما يُنفق لا بما يُفهم.

إن معالجة هذا الخلل لا يمكن أن تكون بالخطاب الأخلاقي وحده، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة:

تعليم يعيد تعريف الاستهلاك.
إعلام يضبط ثقافة الوجاهة.
مؤسسات غير ربحية تصنع مبادرات وعي.
وتشريعات خفيفة ذكية تحد من الهدر دون صدام مع المجتمع.

وقد قال سقراط:

“كم من الأشياء التي لا أحتاج إليها!”
وهي جملة تلخص جوهر الأزمة الاستهلاكية في كل زمان.

إن الدولة حين تسرّع التنمية ؛ فإنها تفترض وجود مجتمع قادر على المواكبة ؛ لأن فجوة الوعي قد تُضعف أثر أي إنجاز مهما كان كبيراً.

ولهذا ؛ فإن التحدي الحقيقي اليوم ليس في بناء المشاريع، بل في بناء الإنسان الذي يُحسن إدارة ما يُبنى له:

إنسانٌ يعرف متى يستهلك، ومتى يكتفي، ومتى يتوقف.

فالتنمية لا تكتمل بسرعة الدولة وحدها، بل بسرعة وعي المجتمع ، المدعوم بالعقل، والموجّه بالتربية، والمضبوط – عند الحاجة – بالقانون.


5 /5
Based on 1 rating

Reviewed by 1 user

    • شهرين ago

    للأسف لازالت بعض العقول المجتمعية تعمل او تُظهر وعيها المتواضع في مقابل الوعي الرسمي عبر رجعية الانتماء الضًيق.. والمؤسف ايضا الذي يكرس هذا التباطؤ ان بعض العقل الجمعي يمارس هذا الافق الضيق عبر المجاملة المقيتة التي تضر ولا تنفع ..

    تعليق عابر. ⬆️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • Rating


مواضيع ذات صلة بـ وعي المجتمع لا يواكب وعي الدولة ..

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الراية الإلكترونية © 2018 - 2026

تصميم شركة الفنون لتقنية المعلومات