المستأجر مُسدِّدٌ واقعيًا… ومُتعثِّرٌ إلكترونيًا !!



عبدالمحسن محمد الحارثي

في واحدةٍ من أكثر الإشكالات التنظيمية غرابةً ؛ يظهر المستأجر اليوم وكأنه يعيش بشخصيتين:

شخصيةٌ واقعية دفعت الإيجار كاملًا للمؤجر، وشخصيةٌ إلكترونية ما تزال في نظر النظام متعثّرة عن السداد!

فالمؤجر استلم حقه، والمستأجر دفع ما عليه،لكن المنصة لم تعترف بالسداد؛ لأن المبلغ لم يمر عبر المسار المالي المرتبط بها.

وهنا تتجلّى المفارقة:

هل الغاية من التنظيم إثبات الحقوق؟ أم التحكم في طريقة انتقال الأموال؟

لقد أُنشئت منصة إيجار أساسًا لتوثيق العلاقة التعاقدية بين المؤجر والمستأجر، وحفظ الحقوق، ومنح العقد صفةً تنفيذية تُسهّل التقاضي وسرعة استيفاء الحقوق عند النزاع.

لكن ما حدث عمليًا أن المنصة تمددت  في نظر كثير من الناس  من “التوثيق والتنظيم” إلى “الإدارة المالية المباشرة”، رغم أن التحويلات البنكية والسندات المالية قادرة أصلًا على إثبات السداد وحفظ الحقوق بكل دقة.

وقديماً قال الفقيه القانوني مونتسكيو:

“القوانين وُجدت لخدمة الناس، لا لتعقيد حياتهم”.

وهي عبارة تختصر جوهر الإشكال؛ فالنظام حين يتحول من أداةٍ لحفظ الحق إلى عبءٍ إجرائي ؛ تبدأ الفجوة بين “النص” و“الواقع”.

المؤجر يريد وصول إيجاره سريعًا،والمستأجر يريد الوفاء بالتزامه بأيسر الطرق، لكن النظام الحالي أوجد حالةً عجيبة:

قد يكون المستأجر ملتزمًا ماليًا، لكنه متعثّر إلكترونيًا!

فتظهر عليه مطالبات في النظام،وقد يتأثر في بعض الخدمات المرتبطة ببيانات الالتزام المالي، رغم أن المؤجر نفسه قد استلم كامل حقه.

وهنا يحضر قول الخبير الإداري بيتر دركر:

لا يوجد شيء أكثر عبثية من أداء شيء بكفاءة عالية ..لم يكن ينبغي فعله أصلًا”.

فالإشكال ليس في كفاءة المنصة التقنية، بل في السؤال الأهم:

هل من الضروري أصلًا أن تتحول المنصة إلى وسيط مالي مباشر بين الطرفين؟

المنطق القانوني والإداري يقول:

إن دور المنصة يجب أن يبقى تعاقديًا وتنظيميًا، لا ماليًا تشغيليًا.
أي أن تكون مهمتها:

توثيق العقد، تحديد الالتزامات، حفظ الحقوق، منح العقد الصفة التنفيذية، وتسهيل التقاضي عند الإخلال.

أما الجانب المالي؛ فيُترك للطرفين وفق الوسائل النظامية المعروفة:

تحويل بنكي، شيك، دفعات إلكترونية، أو غيرها من وسائل الإثبات المعتمدة.

فإذا وقع نزاع ؛ فإن السندات المالية والتحويلات البنكية والإشعارات الإلكترونية كافية لإثبات السداد أو الامتناع عنه.

ومن هنا ؛ فإن الحل الأكثر واقعية وعدالة يتمثل في:

تكييف النظام وآليته على مبدأ الفصل بين “توثيق العقد” و“إدارة الأموال”.
فالمنصة ليست بنكًا، وليست محفظة مالية، بل أداة تنظيم قانوني تحفظ العلاقة بين الطرفين.

وقد عبّر الفيلسوف كونفوشيوس عن هذا المعنى حين قال:

“حين يختلّ الاسم، تضطرب الوظيفة”.

فالمنصة حين تتجاوز دورها الطبيعي، تبدأ الإشكالات بالتكاثر، ويصبح الناس بين واقعٍ دفعوا فيه، ونظامٍ لا يعترف إلا بمساره الخاص.

أما الإصرار على حصر السداد داخل مسار إلكتروني واحد؛ فهو ما صنع هذه الفجوة بين “الواقع المالي” و“الحالة الإلكترونية”، حتى أصبح بعض الناس مسددين في الحقيقة.. ومتعثّرين في النظام!

ويبقى المبدأ الأهم:

أن العدالة لا ينبغي أن تُعلّق على الوسيلة، ما دامت الحقيقة ثابتة، والحق قد وصل لصاحبه.

فالتنظيم الناجح لا يضيّق على الناس مسارات الوفاء، بل يوسّع لهم طرق الإثبات، ويحفظ الحقوق بأقل قدرٍ من التعقيد.

إن نجاح الأنظمة لا يُقاس بكثرة القيود، بل بقدرتها على حماية الحق، وجعل الالتزام أسهل من الالتفاف، والواقع أوضح من الشكل، والعدالة أقرب من الإجراء.


5 /5
Based on 1 rating

Reviewed by 1 user

    • شهرين ago

    [email protected]

    يجب السماح للمؤجر باصدار سند قبض من منصه ايجار كالسابق فى حال استلم مبلغ ايجاره.وليس ترك الطرفين فى مهب الريح المؤجر لايستطيع اثبات الاستلام والمستاجر لا يستطيع اثبات الدفع وتفعيل دور الطرف الثالث الوسيط العقارى المعتمد من منصه ايجار بالمساهمه فى حل هذه المعضله بالسماح له بعد ان يتأكد من الدفع اصدار سند القبض .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • Rating


مواضيع ذات صلة بـ المستأجر مُسدِّدٌ واقعيًا… ومُتعثِّرٌ إلكترونيًا !!

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الراية الإلكترونية © 2018 - 2026

تصميم شركة الفنون لتقنية المعلومات