إيران المُختطفة.. الأرض والشَّعب
عبدالمحسن محمد الحارثي
ليست كلّ المآسي تُروى بصوتٍ مرتفع، فبعضها يختبئ في صمت الشعوب، حين يُختطف الوطن لا من خارجه، بل من داخله، وحين تتحوّل السلطة-في أخطر صورها-إلى ما يشبه الحماية، فتلبس ثوبها وتُقنع الناس بها، وتضيق معها مساحة الوطن حتى يغدو مشروعًا محكومًا بفكرةٍ واحدة، لا وعاءً جامعًا لأمةٍ كاملة.
خمسة عقودٍ مضت، وإيران تعيش هذا الاختطاف المركّب: أرضٌ تُدار، وشعبٌ يُدار عليه، وثورةٌ لم تترجّل لتصبح دولة، بل بقيت في اندفاعٍ دائم، كأنها تخشى السكون؛ لأن السكون يعيد طرح السؤال المؤجَّل: أين الدولة؟ وهنا يلوح قول ابن خلدون إن الملك إذا قام على العصبية فسد بفسادها، غير أنّ العصبية هنا ليست قبيلة، بل فكرة مغلقة، والفكرة التي لا تُراجع نفسها لا تلبث أن تتحوّل إلى سجنٍ يتّسع لكل من يختلف معها.
وإيران-بعمقها التاريخي-ليست طارئة على الحضارة؛ من حافظ الشيرازي إلى عمر الخيام، ومن الشعر إلى الفلسفة، ومن الجمال إلى المعرفة، تشكّلت هويةٌ أوسع من أن تُختزل في روايةٍ واحدة، وأعمق من أن تُقاد بمنطقٍ أحادي. غير أنّ أخطر ما يُصيب الأمم ليس القمع وحده، بل حين يُصاغ الوعي على نحوٍ يجعل القمع يبدو ضرورة، وحين يُلبس الاستبداد ثوب القداسة، فتُعاد تعريف الطاعة بوصفها فضيلة مطلقة، ويُختزل الوطن في سلطة، والدين في تأويل، وهنا تتجلى مقولة فريدريك نيتشه حين تختلط السلطة بالحقيقة، فتُقتل الحقيقة أولًا، لأن من يحتكر تفسيرها لا يلبث أن يُربك معناها.
الثورة في أصلها لحظة رفض، أما الدولة فهي مشروع بناء؛ الأولى تندفع، والثانية توازن، الأولى تُقصي، والثانية تستوعب، ولذلك فإن الثورات قد تُشعل الطريق، لكنها لا تكفي وحدها لقطع المسافة، فالدول وحدها تعرف كيف تمشي فيه. وحين لا يتحوّل الفعل الثوري إلى بنيةٍ مستقرة ؛ يبقى أسير لحظته، وتبقى الأوطان في حالة صراعٍ دائم، داخليًا وخارجيًا ؛ لأن من لم يستقر في داخله، يبحث-بطبيعته-عن امتدادٍ في خارجه، وكأن الاضطراب الداخلي يطلب أن يجد له صدى في الجوار.
وفي هذا السياق ؛ لم يكن التوسّع يومًا دليل قوةٍ مستدامة، بل كثيرًا ما كان تعويضًا عن هشاشة الداخل؛ فالإمبراطوريات لا تسقط حين تُهزم فحسب، بل حين تفرغ من معناها، والتاريخ—from سقوط الدولة الساسانية إلى تجاربٍ لاحقة-يؤكد أن البداية الحاسمة تكون من الداخل، لا من الخارج. ويعزز هذا المعنى تحذير مونتسكيو بأن كل سلطة لا يحدّها قانون تنتهي إلى فسادٍ مطلق ؛ لأن القانون ليس قيدًا على الدولة، بل هو ما يمنحها شرعية البقاء.
وحين تتسع الفجوة بين الشعارات والواقع، تتكشّف المفارقة: تُرفع رايات العدالة بينما يُدار الداخل بالقمع، ويُتحدث عن الكرامة بينما يُستنزف الإنسان في معيشته وحريته، وتُبنى صورة القوة بينما تتآكل الثقة في الداخل، وحينها يصبح التناقض هو الحقيقة الأكثر وضوحًا ؛ لأن الواقع-مهما تأخر-ينتصر في النهاية، فالأنظمة لا تسقط حين تُهزم، بل حين تفقد مبرر وجودها، وحين يصبح بقاؤها سؤالًا أكثر من كونه إجابة.
القوة قد تُؤجّل الأسئلة، لكنها لا تُلغيها، ويمكنها أن تُخيف الناس زمنًا، لكنها لا تستطيع أن تُقنعهم إلى الأبد؛ فالصمت قد يُفرض، أما القناعة فلا تُفرض، والسجون لا تقتل الفكرة، بل تمنحها وقتًا لتكبر في الظل، ومع الزمن، يتحوّل ما كان مكبوتًا إلى سؤالٍ جارف، وهو ما ينسجم مع قول جون لوك إن غياب القانون يعني غياب الحرية ؛ لأن الحرية لا تنفصل عن النظام العادل، بل تتجلّى فيه.
وفي هذا المشهد ؛ لا تبدو القضية صراع دول بقدر ما هي صراع معنى ، فالانحياز للشعوب لا يعني العداء للأوطان، بل عودةً إلى جوهرها ؛ لأن الوطن الحقيقي ليس ما يُقال عنه، بل ما يعيشه الإنسان فيه، وحيث يكون الإنسان حرًا، يكون الوطن أقرب إلى معناه الأول، قبل أن تتلبّسه التأويلات أو تُثقله الروايات.
وفي النهاية ؛ فإن خلاص الأوطان لا يُفرض من الخارج، ولا يُصنع بالصخب، بل يبدأ حين يُدرك الإنسان قيمته، ويكتشف أن الحرية لا تبدأ بإسقاط القيود فقط، بل بمعرفة أنها قيود، وأن الوعي هو الخطوة الأولى في استعادة التوازن. وإيران، في هذا السياق، ليست مختطفة في حدودها، بل في قرارها، وليست أزمتها في أعدائها، بل في سؤالها المؤجَّل، لأن الأسئلة حين تُؤجَّل طويلًا لا تختفي، بل تعود بإجاباتٍ قاسية، وحينها يتأكد أن وعي الشعوب-مهما أُحكمت السيطرة عليه-لا يُمكن امتلاكه إلى الأبد.

