هرمز يكاد ينفجر !!



عبدالمحسن محمد الحارثي

تعطيل مضيق هرمز ؛ ليس حدثًا جغرافيًا على أطراف الخريطة، بل اهتزاز في قلب الاقتصاد اليومي للإنسان العادي؛ ذاك الذي لا يعنيه البحر بقدر ما يعنيه رغيف الخبز، وزجاجة الدواء، وفاتورة الوقود.

فالممر هنا ؛ ليس ممر نفط فقط، بل ممر حياة كاملة تتغذى على انتظامه وتختنق باضطرابه.

ما يمر عبره ليس سلعة خامًا فحسب، بل «زمنٌ اقتصادي» يُحوَّل في المصافي إلى كهرباء، وفي الأسواق إلى غذاء، وفي المصانع إلى دواء، وفي الموانئ إلى خدمات عامة.

وحين يُمسّ هذا الزمن ؛ لا تبدأ الأزمة في العناوين السياسية، بل في تفاصيل المعيشة اليومية: سعر الرغيف، كلفة النقل، توفر الدواء، واستقرار الخدمة.

في البحر ؛ تتراكم السفن لا لأنها فقدت القدرة على الحركة، بل لأن النظام نفسه فقد انسيابه.

كل ساعة تأخير تتحول إلى تكلفة إضافية، وكل يوم ازدحام يضيف طبقة جديدة من عدم اليقين.

وكما يصف الاقتصادي جون ماينارد كينز جوهر الثقة في الأسواق: «حين تهتز الثقة، لا يتوقف التبادل، لكنه يصبح أكثر كلفة وأقل عدالة»، وهنا تبدأ الكلفة بالانتقال من دفاتر الشحن إلى رفوف المتاجر.

هذا التراكم البحري ليس مشهدًا عابرًا؛ إنه اختناق بطيء في شريان لوجستي عالمي.

ومع كل تأخير ؛ ترتفع أقساط التأمين، وتتوسع فجوة الزمن بين الإنتاج والاستهلاك، ويبدأ التسعير بالانفصال عن الكلفة الفعلية ليلتحق بكلفة المخاطر.

وحين تصبح المخاطر هي المعيار ؛ يدخل العالم في مرحلة تسعير القلق.

وعلى اليابسة ؛ لا يظهر الاضطراب في صور السفن، بل في حياة الناس.
الوقود يصبح أكثر كلفة ؛ فتتأثر المواصلات.

النقل يزداد عبئًا ؛ فترتفع أسعار الغذاء. سلاسل التبريد تُرهق ؛ فتتأثر الأدوية.

وهكذا ينتقل الاضطراب من الممر البحري إلى المائدة مباشرة، دون استئذان.

وكما يشير ميلتون فريدمان في جوهر فكرته النقدية: «الأسعار هي مرآة الندرة»، وهنا تصبح الندرة انعكاسًا لاضطراب المسارات لا لغياب الموارد.

سلاسل الإمداد في هذا السياق ؛ لا تنهار فجأة، بل تُستنزف.
تبدأ بالبطء، ثم تتشوه، ثم تفقد قدرتها على التنبؤ.

وحينها ؛ لا تعود المشكلة في النقل فقط، بل في القدرة على التخطيط.

وكما يلمح المنطق الاقتصادي الحديث ) فإن النظام المعقد لا يُهزم من صدمة واحدة، بل من تراكم اختلالات صغيرة لا تُعالج في وقتها.

ومع ازدياد الضغط ؛ تبدأ الشركات بإعادة رسم خرائطها اللوجستية.

بعض الشحنات يلتف حول رأس الرجاء الصالح ؛ فتزداد المسافة، ويطول الزمن، وترتفع الكلفة.

لكن الأخطر ليس طول الطريق، بل فقدان اليقين في الوصول ؛ لأن الاقتصاد الحديث لا يعمل بالمسافة فقط، بل بالتوقيت الدقيق.

الأسواق بدورها لا تنتظر الانقطاع الكامل.

يكفيها احتمال الاضطراب لتعيد تسعير كل شيء.

تتسع هوامش الأسعار، تُشدَّد العقود، وتُخزَّن السلع أكثر من اللازم ؛ فيتحول النظام من «كفاءة تدفق» إلى «كفاءة خوف».

وكما يقال في التحليل السلوكي للأسواق: حين يصبح الخوف جزءًا من التسعير ؛ يصبح الاقتصاد أكثر حساسية من الواقع نفسه.

في هذه اللحظة ؛ لا يعود الحديث عن الطاقة وحدها، بل عن الأمن الغذائي، والأمن الدوائي، واستقرار الخدمات العامة. فكلها مرتبطة بسلسلة واحدة تبدأ من الممرات البحرية وتنتهي في حياة الإنسان اليومية.

وهنا ؛ تتجلى الفكرة الأعمق: الاقتصاد ليس أرقامًا مجردة، بل بنية حياة.

ولهذا ؛ فإن أي اضطراب في هذا الشريان لا يبقى في البحر، بل يتحول إلى ضغط على رغيف الخبز، وعلى رف الدواء، وعلى فاتورة الكهرباء.

وكما يختصر الفيلسوف الاقتصادي آدم سميث جوهر المنظومة: «تقسيم العمل يخلق الثروة، لكن اضطراب التقسيم يخلق الندرة».

هرمز ؛ لا ينفجر كحادث مفاجئ .. بل كاحتمال طويل يضغط العالم حتى يتغير سلوكه قبل أن يتغير الواقع نفسه!!


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • Rating


مواضيع ذات صلة بـ هرمز يكاد ينفجر !!

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الراية الإلكترونية © 2018 - 2026

تصميم شركة الفنون لتقنية المعلومات