أميركا ..دولة التوازنات لا دولة القرار الواحد!!



عبدالمحسن محمَّد الحارثي

ليست الولايات المتحدة مجرد قوة عظمى تُقرأ قراراتها في عناوين الأخبار، بل هي “نظام تفكير سياسي” قبل أن تكون دولة.

ومن هنا ؛ فإن محاولة فهمها بعين الشرق الأوسط التي اعتادت مركزية القرار، قد تقود إلى سوء تقدير مزمن ؛ لأننا أمام نموذج مختلف جذريًا: دولة تُدار بالتوازن لا بالإملاء، وبالتعدد لا بالوحدة، وبالتجاذب لا بالحسم الفردي.

وقد قيل في السياسة منذ القدم: “الدولة التي تُحكم برأي واحد، تنهار بسرعة القرار الواحد”، بينما النموذج الأميركي قام على عكس ذلك تمامًا؛ إذ صُمّم على الشك لا اليقين، وعلى توزيع السلطة لا احتكارها.

في الداخل ؛ تتوزع السلطة بين البيت الأبيض والكونغرس والقضاء، في بنية تُعرف تقليديًا بـ“الضوابط والتوازنات”.

وهذه ليست مجرد هندسة دستورية، بل فلسفة سياسية عميقة خلاصتها ما عبّر عنه الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو حين قال: “لكي لا يُساء استخدام السلطة، يجب أن تُوقف السلطة السلطة الأخرى”.

ومن هنا ؛ فإن ما يبدو في الظاهر بطئًا أو ارتباكًا، هو في العمق آلية مقصودة لمنع الانفراد بالقرار.

فالرئيس لا يحكم وحده، والكونغرس لا يشرّع بمعزل، والقضاء لا يفسّر خارج سياقه، بل كل منهم جزء من معادلة تمنع “الاندفاع السياسي” حتى لو بدا ذلك على حساب السرعة.

أما في الطبقة الأعمق من الدولة ؛ فتبرز المؤسسات الأمنية والعسكرية ممثلة في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، بوصفها “العقل الصلب” للدولة.

فهي لا تصنع القرار السياسي مباشرة ؛ لكنها تصنع حدود الممكن السياسي عبر التقدير الاستخباراتي، وتقييم المخاطر، ورسم السيناريوهات.

وقد لخّص أحد المفكرين الغربيين هذه الحالة بقوله: “في الدول الكبرى، لا يسأل السياسي: ماذا أريد؟ بل: ماذا تسمح لي المؤسسات أن أفعل؟”

أما خارجيًا ؛ فالأمر أكثر تركيبًا..فسياسة الولايات المتحدة لا تُبنى على مبدأ واحد، بل على موازنة دائمة بين الأمن، والمصالح، والكلفة.

وفي ملفات مثل إيران، يظهر هذا التوازن بوضوح: ضغطٌ دون انفجار، تفاوضٌ دون ثقة كاملة، وردعٌ دون حرب شاملة.

وهنا يصدق قول أحد الحكماء: “السياسة ليست اختيار الأفضل، بل تجنب الأسوأ الممكن”.

لذلك تبدو القرارات الأميركية أحيانًا متذبذبة ؛ لكنها في الحقيقة مدارة داخل مساحة ضيقة من الخيارات الصعبة.

ومن التجربة التاريخية ؛ يمكن القول إن الدول التي تُقرأ بسذاجة “القرار الواحد” تقع في خطأ منهجي؛ إذ تتعامل مع دولة مركبة كأنها شخص واحد، بينما هي في الواقع “نظام من العقول المتنافسة”.

وقد عبّر هنري كيسنجر عن ذلك بواقعية حين قال: “الدول لا تملك أصدقاء دائمين ولا أعداء دائمين، بل تملك مصالح دائمة”.

وهذه الجملة، رغم بساطتها ؛ تختصر فلسفة كاملة في فهم السلوك الأميركي: لا عاطفة سياسية، بل حساب توازنات متغيرة.

الخلاصة .. أن النموذج الأميركي لا يمكن فهمه إلا إذا خرجنا من تصور “الدولة المركزية” إلى تصور “الدولة المنظومة”.

فهي ليست دولة تُدار بإرادة واحدة، بل بشبكة إرادات تتفاوض داخل الدولة نفسها قبل أن تفاوض الخارج.

ولهذا ؛ فإن الدرس الأهم لشعوب الشرق الأوسط ليس في أميركا ذاتها، بل في طريقة قراءتها:

أن القوة الحديثة ليست في القرار السريع، بل في القدرة على إدارة التناقض دون أن ينفجر، وأن الدولة ليست صوتًا واحدًا ، بل أصواتًا تُجبر على التوازن حتى تُنتج قرارًا !!


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • Rating


مواضيع ذات صلة بـ أميركا ..دولة التوازنات لا دولة القرار الواحد!!

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الراية الإلكترونية © 2018 - 2026

تصميم شركة الفنون لتقنية المعلومات