التطمينات المسمومة: قراءة في خطاب يُهدّئ السطح ويُبقي النار تحت الرماد



عبدالمحسن محمد الحارثي

حين تُقال الطمأنينة في لحظات التوتر ؛ لا يكون المقصود تهدئة الواقع بقدر ما يكون ضبط إدراكه.

فبعض الخطابات لا تُنتج الأمان، بل تُعيد توزيع القلق في طبقات خفية، بحيث يبدو السطح ساكنًا بينما تستمر الحركة في العمق.

وهنا تحديدًا ؛ تبدأ خطورة التطمينات: ليست فيما تعد به، بل فيما تُخفيه من حدود الفعل، وما تُبقيه مفتوحًا من احتمالات.

في هذا السياق ؛ لا تأتي التطمينات الصادرة عن الولايات المتحدة في مواجهة التوتر مع إيران بوصفها تعبيرًا عن اطمئنان حقيقي، بل كأداة دقيقة لإدارة المشهد، تُبقي الصراع في حالة توازن هشّ؛ توازن لا يسمح بالانفجار، ولا يتيح الانطفاء الكامل.

إنها طمأنينة تعمل كغطاء ناعم لسياسة تُدار بحسابات صارمة، حيث يُراد للهدوء أن يبدو طبيعيًا، لا مفروضًا.

هذا النمط ليس استثناءً، بل امتداد لذاكرة استراتيجية راسخة.

ففي الحرب الباردة ؛ لم تكن الرسائل الأمريكية موجهة إلى الاتحاد السوفيتي فقط، بل إلى الحلفاء أيضًا، حيث كانت التطمينات تُبقيهم داخل المدار دون أن تمنحهم حرية الانفلات منه.

وفي هذا السياق ؛ يمكن استحضار ما قرّره كارل فون كلاوزفيتز بأن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى؛ فالتطمينات هنا تبدو كامتداد ناعم لسياسة تُمارس بأدوات غير مباشرة، لكنها لا تقل فاعلية عن أدوات الصدام.

وفي حرب الخليج 1991 ؛ لم يكن ضبط سقف العمليات العسكرية تعبيرًا عن محدودية القدرة، بل عن وعيٍ دقيق بحدود الفعل ذاته؛ إذ إن التوسع غير المحسوب قد يُنتج فراغًا يهدد الاستقرار ذاته.

وهذا ما ينسجم مع رؤية صن تزو التي تُعلي من قيمة الانتصار الذي لا يفتح أبواب صراعات جديدة، بل يُحسن إغلاقها قبل أن تبدأ.

أما في أزمة الصواريخ الكوبية ؛ فقد تجلت هذه المعادلة بأوضح صورها: خطاب علني يهدّئ، يقابله تفاوض خفي على حافة الانفجار، حيث تُدار الحقيقة بقدر ما يُدار الخطر.

وهنا يتقاطع هذا السلوك مع ما أشار إليه إيمانويل كانت من أن إدراكنا للواقع ليس انعكاسًا له، بل إعادة صياغة له، وهو ما يجعل التطمينات أداة لإعادة تشكيل الإدراك قبل أن تكون تعبيرًا عن موقف.

في ضوء هذا الامتداد التاريخي ؛ يمكن قراءة المشهد الخليجي بوصفه امتدادًا لهذا النمط، حيث لا تستهدف التطمينات إنهاء الصراع مع إيران، بل إبقاءه ضمن حدود يمكن التحكم بها؛ حدود لا تنفجر إلى حرب شاملة، ولا تنطفئ إلى درجة فقدان السيطرة.

ومن هنا ؛ تتجلى براغماتية المصالح كما عبّر عنها اللورد بالمرستون حين أكد أن الدول لا تحكمها الصداقات بقدر ما تحكمها المصالح الدائمة، لتصبح الطمأنينة أداةً لحماية هذه المصالح لا بديلاً عنها.

وعليه ؛ فإن التطمينات الممنوحة لدول الخليج تؤدي وظيفة مزدوجة: فهي تمنع الانفجار من جهة، وتُبقي هامش القرار الأمني في حالة ارتباط من جهة أخرى. فالقوة، في معناها الأعمق ؛ لا تُقاس فقط بما تملكه الدول، بل بما تستطيع منعه لدى الآخرين، وهو ما يفسر كيف يمكن للطمأنينة أن تكون في الوقت ذاته وسيلة استقرار وأداة ضبط.

وفي هذا السياق ؛ يصبح الخليج ليس مجرد متلقٍ لهذه التطمينات، بل ساحة اختبار لها؛ اختبار لمدى قدرة التوتر على البقاء تحت السيطرة، واختبار لمدى قدرة التطمينات على الحفاظ على التوازن دون أن تتحول إلى اعتماد مفرط. فالإفراط في الطمأنينة يخلق اعتمادًا صامتًا، كما أن الإفراط في القلق قد يدفع نحو قرارات متسرعة، وكلاهما يخلّ بمعادلة الاستقرار.

ومن هنا ؛ لا يمكن قراءة التطمينات على مستوى واحد..فهي تحمل بنية مركبة تتداخل فيها طبقات المعنى: خطاب يهدّئ في ظاهره، وإشارة تردع في مضمونه، ومعنى أعمق يعيد توزيع الأدوار داخل المشهد.

وهذا ما يتسق مع طرح جوزيف ناي حول الغموض كأداة من أدوات القوة، حيث لا يُراد للرسالة أن تكون مكتملة الوضوح، بل كافية لتوجيه السلوك دون كشف كامل المقاصد.

في ضوء ذلك ؛ فإن القراءة الحرفية للتطمينات تُنتج طمأنينة مؤقتة، بينما تكشف القراءة الاستراتيجية أن ما يُقال ليس إلا جزءًا من معادلة أوسع، تُدار فيها التوازنات بقدر ما تُدار الكلمات..ومن يكتفي بالظاهر ؛ يظل داخل دائرة التلقي، بينما من يقرأ ما بين السطور ؛ يدرك أن ما يبدو هدوءًا… قد يكون إدارةً دقيقة لصراع لم ينتهِ بعد.

الخلاصة التي يفرضها التاريخ ويؤكدها الواقع ؛ أن الولايات المتحدة لا تُطمئن لإنهاء الصراعات، بل لإبقائها ضمن حدود قابلة للإدارة..ومن لا يقرأ هذا النمط في سياقه ؛ يجد نفسه جزءًا من معادلة يُعاد توظيفه داخلها، لا شريكًا في صياغتها.

وبين الطمأنينة واليقظة ؛ تتحدد المسافة الفاصلة بين من يتلقى الرسائل ، ومن يعيد تفسيرها .


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • Rating


مواضيع ذات صلة بـ التطمينات المسمومة: قراءة في خطاب يُهدّئ السطح ويُبقي النار تحت الرماد

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الراية الإلكترونية © 2018 - 2026

تصميم شركة الفنون لتقنية المعلومات