أهم الاخبار


خصومٌ بلا قضية ..



عبدالمحسن محمد الحارثي

ليس كلُّ اختلافٍ رأيًا، ولا كلُّ معارضةٍ موقفًا؛ فبعضُ الناس لا يخرج عن السرب ليرى أبعد، بل ليُعكّر أقرب، وكأن الصفاء يثير في نفسه من القلق ما لا تثيره الفوضى، حتى يغدو حضوره اختلالًا في التوازن، وصوته زيادةً في الضجيج لا إضافةً في المعنى.

هذا النمط لا يُعرَف بملامح ثابتة، بل يتسرّب في صورٍ شتى، غير أن حقيقته واحدة: إرباكُ التوافق، وافتعالُ الخصومة، وتعكيرُ ما كان يمكن أن يمضي في عافية؛ صورةٌ تُجسّد ما أشار إليه ابن تيمية حين جعل فساد الظواهر امتدادًا لاختلاف القلوب، وكأن العطب يبدأ من الداخل، ثم يتكاثر في الخارج حتى يغلب عليه.

في الأسرة، حيث يُفترض أن يكون الانسجام أصلًا، لا طارئًا، يظهر كشرخٍ دقيق لا يُرى في أول الأمر، ثم لا يلبث أن يتّسع؛ لا يكتفي بأن يختلف، بل يُحسن تحويل الوفاق إلى خلاف، وكأن الطمأنينة تُحرجه، فيسعى — بوعيٍ أو بدونه — إلى كسرها. ومن لم يُحسن تهذيب نفسه، كما يُفهم من روح قول جلال الدين الرومي، لن يُحسن إقامة علاقة، لأن من عجز عن ترتيب داخله، عبث بخارجٍ لا يملكه.

ويمتدّ أثره إلى بيئة العمل، حيث يتقن لبس هيئة الحريص، غير أنه يُفرغ كل فكرة من روحها قبل أن تُولد، ويزرع في الطريق ما يُثقِل الخطى ويُبطئ القرار، حتى تصبح الفرص عبئًا، والحركة تردّدًا؛ مشهدٌ يتجلّى فيه معنى قول ونستون تشرشل، إذ لا يرى في الإمكان إلا تعذّره، ولا في الفرص إلا ما يُعطّلها، وكأن التثبيط عنده اجتهاد، لا عجز.

وفي المجالس ؛ يقلّ حضوره في ظاهر الكلام، لكنه يكثر أثره في باطنه؛ ينقل العبارة بعد أن يُفرغها من سياقها، ويُحمّلها ما لم تُرِد، فيخرج من الحديث بحكايةٍ أخرى، أشدّ قتامةً وأبقى أثرًا، ثم يقف على هامشها صامتًا، كأن لسانه خلاف ما قرّره علي بن أبي طالب  لا يمرّ على قلبه قبل أن ينطلق، بل يسبقه ليصنع من الظلال ما يطغى على الحقائق.

وبين الأقارب ؛ يجيء في صورةٍ تُؤمَن، وعبارةٍ تُستحسن، غير أنه يُمرّر ما يريد بدقةٍ تُشبه السمّ حين يُذاب في العسل، فلا يظهر أثره إلا بعد أن يستقرّ؛ وهنا لا يبدو تحذير ويليام شكسبير غريبًا، فالأذى حين يأتي من جهة الأمان، يكون أبلغ أثرًا وأعمق جرحًا.

وحتى في الرحلات، حيث تُخفَّف الأعباء وتُستعاد البساطة، يجد لنفسه مدخلًا يُعيد التعقيد إلى المشهد؛ يُربك البداية بتأخيرٍ، ويُكدّر اللحظة بلمزٍ، ويُحوّل التفصيل العابر إلى مقارنةٍ تُثقِل النفوس، وكأن الاجتماع  الذي رآه أرسطو طبيعةً لازمة ينقلب على يديه إلى عبءٍ يُتجنّب، لا متعةٍ تُطلب.

وفي المناسبات ؛ لا يحضر ليُبارك بقدر ما يحضر ليراقب ، يترصّد الهفوات كما تُترصّد الفرص، ويُشيّد من الزلّة بناءً، ومن التفصيلة رواية، حتى يغدو الحدث مسرحًا، وهو فيه الفاعل وإن لم يكن حاضرًا في ظاهره؛ لا لأن الأمر يستحق، بل لأنه لا يحتمل أن يمرّ دون أن يترك فيه أثرًا، ولو كان أثر اضطراب.

فإذا والى أحدًا ؛ انقلب إلى خصمٍ لكل من لا يواليه؛ لا عن قضيةٍ يحملها، بل عن عجزٍ عن الحياد، فيُوزّع الاتهامات، ويخوض معارك لم تُطلب منه، وكأن الانحياز الأعمى كما يرى فرانسيس بيكون يُطفئ نور البصيرة قبل أن يُفسد الحكم، فيتحوّل الولاء من قيمةٍ تُبنى عليها العلاقات، إلى أداةٍ تُهدم بها.

وهنا تنكشف الحقيقة في أوضح صورها: نحن أمام خصومٍ بلا قضية؛ وجودهم قائمٌ على نفي غيرهم، لا على إثبات أنفسهم، وحركتهم ضجيجٌ يُغطّي على فراغ، لا فعلٌ يُعبّر عن امتلاء.

ولذلك ؛ فهم لا يُنيرون طريقًا، ولا يُضيفون دفئًا؛ إنما يتركون خلفهم أثرًا يُشبه الدخان: يتسلّل إلى الأنفاس، ويُثقِل الصدور، دون أن يمنح نورًا أو يُبقي أثرًا يُعتدّ به.

فالاختلاف حين يكون وعيًا ؛ يفتح أفقًا، ويُنشئ معنى، ويُقيم توازنًا؛ وحين يكون هوىً..لا يكون إلا دخانًا: كثيفًا في حضوره، خفيفًا في جدواه، بالغًا في أذاه.

الاختلاف يَبنِي إذا نضج.. ويُؤذي إذا مرض.

ليس كل اختلافٍ رأيًا..بعضه دخان يخنق ، حينما يتحوّل الاختلاف من قيمة تُثري ؛ إلى دُخّان يُؤذي.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • Rating


مواضيع ذات صلة بـ خصومٌ بلا قضية ..

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الراية الإلكترونية © 2018 - 2026

تصميم شركة الفنون لتقنية المعلومات